
وقت تصوير فيلم «ارحم دموعي»، كانت إحدى اللقطات تبدو بسيطة على الورق، لكنها تحولت في الواقع إلى واحدة من أطرف وأصعب المواقف التي واجهتها الفنانة زهرة العلا أمام الكاميرا. فالمشهد كان يتطلب منها الخروج مسرعة من فيلا، لتجري في أحد الشوارع القريبة من مصنع ورق، بحثًا عن شقيقها الذي جسّد دوره الفنان يحيى شاهين. مشهد عاطفي، مشحون بالقلق والخوف، لا يحتاج سوى شارع هادئ وعدسة كاميرا… لكن الواقع كان له رأي آخر.
في صباح يوم التصوير، بدأ فريق العمل تجهيزاته كالمعتاد. الكاميرا على السيارة، الفنيون في أماكنهم، والمخرج يستعد لإعطاء إشارة البداية. فجأة، بدأ عمال مصنع الورق القريب يتجمعون حول موقع التصوير، يراقبون في دهشة ما يحدث، غير مدركين أنهم أمام مشهد سينمائي لا واقعة حقيقية.
انطلق التصوير، ودوّى صوت المخرج: «أكشن». خرجت زهرة العلا تركض بكل ما أوتيت من إحساس، لتلمح فجأة خفيرًا من خفراء المنطقة يراها تجري في الشارع، فينطلق خلفها غريزيًا، ويلحق به عدد من العاملين. توقفت زهرة، لتجد الرجل أمامها يسألها ببراءة وحزم: «بتجري ليه يا ست؟». تدخل مساعدو المخرج سريعًا، وشرحوا للخفير أن ما يجري ليس سوى تصوير فيلم، فهدأ الموقف… مؤقتًا.
قرر المخرج إعادة المحاولة بعد إبعاد المتفرجين قليلًا. «أكشن» مرة ثانية، وزهرة تجري من جديد، لكن القدر كان متربصًا. هذه المرة، شاهدها شاب يقود دراجة في الشارع، فظن أنها في خطر، وانطلق خلفها بكل حماسة، قبل أن يرمي نفسه عليها محاولًا الإمساك بها في مشهد أقرب إلى أفلام الأكشن، فتوقف التصوير مرة أخرى وسط ذهول الجميع.
أدرك المخرج أن هذا الشارع لا يصلح للتصوير، فقرر الانتقال إلى شارع آخر أكثر هدوءًا. ظن الفريق أن الأزمة انتهت، لكن المفاجآت لم تنته بعد. انطلقت زهرة تجري مجددًا، وإذا بسيدة تطل من شرفة منزلها، تصرخ بأعلى صوتها مطالبة الناس بالإمساك بـ«الست اللي بتجري»، معتقدة أنها ارتكبت أمرًا مريبًا.
عمّ الارتباك موقع التصوير، وضاعت الأعصاب بين الضحك واليأس. وبعد محاولات متعددة، تم تصوير المشهد أخيرًا وسط حذر شديد وتنظيم أكثر صرامة.
لكن المفارقة الكبرى جاءت يوم عرض الفيلم. فوجئت زهرة العلا بأن المشهد، بكل ما حمله من عناء ومواقف طريفة، لم يظهر على الشاشة. وعندما سألت المخرج عن السبب، ابتسم وقال ببساطة: «المشهد كان هيطوّل الفيلم من غير داعي… فقلت أشيله أحسن».
هكذا تحوّل مشهد ركض في شارع إلى حكاية تُروى، لا عن السينما فقط، بل عن الناس، والعفوية، وزمن كانت فيه الكاميرا تُربك الشارع قبل أن يُربكها الشارع.






